مشاهدة نسخة كاملة : قصة قصيرة: المرأة التي باعت نفسها لشيطان الرجال


النخبة
04-12-2004, 09:24 PM
قصة قصيرة: المرأة التي باعت نفسها لشيطان الرجال

المرأة التي باعت نفسها لشيطان الرجال
- أنت جميلة!
- أنت فاتنة!
- أنت رائعة!
- ماذا أرى؟ فينوس أمامي وبين يدي!
- أيعقل أن يجمع الجمال كله في واحدة؟
- أنت لست جميلة؛ أنت الجمال بعينه!
- أنت لست فاتنة؛ أنت الفتنة بعينها!
- أنت لست ساحرة؛ أنت السحر بعينه!
كانت هذه الكلمات تخدر سمعي وجسدي وكل أحاسيسي كلما سمعتها. لم أكن أدر ماذا أقول في الرد عليها، ولم أسأل نفسي مرة واحدة قط إن كان هؤلاء صادقون في قولهم. ولكن لماذا أسأل؟ ألست أنا فاتنة حقاً؟ ألست أنا ربة الجمال حقا؟ إن كنتَ لا تصدقيني انظر إلي ّ – كنتَ تأتي وتنظر إلي وقتها! – لتتأكد من ذلك بنفسك. كم نظرت إلى نفسي في المرايا أتأكد من ذلك في كل مرة ينهرني فيها زوجي – الذي كان زوجي! كنت كلما نظرت في المرايا من حولي رأيت الفتنة والسحر والجمال، ولكن قبل أن أرى ذلك كله كنت أرى جموع الرجال مذهولة تعقد ألسنتهم الدهشة من روعة جمالي وفتنتي. وفي كل مرة كنت أسمعهم يتهامسون – ترى من تكون هذه الغادة الساحرة؟ آهِ لو أظفر بها ساعة أو بعض ساعة!! كانت هذه الكلمات التي لا تسمعها أذناي بل يسمعها جسدي وكل حواسي تخدرني خدراً فوق خدر!
وإن أنسى لا أنسى تلك الليالي الجميلة الحلوة التي جمعتني بكل أولئك الذي سجدوا في محراب جمالي وقدموا القرابين طالبين الرضا وحسن القبول. كانوا كلما صلوا أجزلتُ لهم في العطاء. فدأبوا على الصلاة، ودأبتُ أنا على العطاء بدون حدود.
ويمر من الزمان (الجميل!) أيام وليال طوال. وتأتي هذه الليلة التي لا أنساها. تراني أذكر شيئاً غيرها؟ أنا لم أعد أذكر شيئاً، فأنا لم أعد أنا. أنا لم أعد تلك الفاتنة الساحرة الغادة. ليلتها افترستني كل جموع الحيوانات البرية المتوحشة التي ارتدت ملابس رجال. بعد كل ما مضى لا زلت أحس جسدي يتمزق، عظامي تتهشم، كل ذرة في أحشائي أحس بها تغلي وكأنما صُبّ فيه الحميم. آلام في كل جسدي، لم يكن جسدي وقتها. بل كان جسد الذئاب. افترستني النظرات، افترستني الهمسات، افترستني الكلمات، افترستني الأيدي الخشنة، افترستني الأجساد المعرقة، افترسني شيطان الرجال.
نظرت في المرأة عندما نهرني زوجي – الذي كان زوجي – وألح في طلبه عليّ أن أبدل ملابسي بثياب أخرى كان يسميها ملابس أكثر حشمة – بالمناسبة هل يدري أحد منكم أو منكن معنى هذه الكلمة؟ لقد فتشت عنها في قاموس مفرداتي فلم أجدها؟! – بعد أن رضخت لطلبه وإلحاحه الذي كاد يصيبني بالدوار من كثرته، نظرت في المرايا حولي بعد أن بدلت ثيابي بثيابه التي كان يسميها – ثياباً حشمة! نظرت فماذا رأيت؟ كان أول ما رأيت جموع الرجال رأيتهم كلهم ينظرون إلي في ذات الدهشة المعهودة ولكن في هذه المرة سمعت همس كلماتهم التي لم ينطقوا بها، سمعتهم يقولون أتتنازل ربة الجمال والفتنة والسحر عن جمالها وفتنتها وسحرها وعرشها الأبدي بكل هذه البساطة من أجل كلمات جوفاء يرددها على مسامعها شخص معتوه؟ غير معقول.
فعلاً، غير معقول. نزعت عن جسدي هذه الثياب وعدتُ إلى ثيابي التي اعتادني الرجال فيها والتي كثيراً ما صلوا في محرابي من أجلي ومن أجلها.
وهذه أيضاً ليلة لا أنساها، فقد ثار علي زوجي – الذي كان زوجي – أيما ثورة، كاد يقتلني؛ وليته فعل! ثار ومار كالبحر الهائج؛ ليته أغرقني بين أمواجه! ولكنه لم يفعل الأولى ولم يفعل الثاني فغرقت أنا بيديّ هاتين، غرقت يومها في بحر من الصلوات في محراب جمالي، وبعد تلك الصلوات في محراب جمالي غرقت في بحر من خمر لم أفق منه إلا وأنا أجد نفسي غارقة في دمي. غرق جسدي يومها في بحر متلاطم من عرق منتن ودم قذر، غرقت أحشائي في بحر من الحميم. وماذا تجرعت؟ وماذا شربت؟ لم أجد أمامي وفي متناول يدي سوى ذلك الحميم أتجرعه ولا أكاد أطيقه. لم أجد أمامي سوى ذلك الزقوم كلما تناولته قطع أحشائي وكأنما كانت أحشائي التي مزقها الحميم بحاجة إلى مزيد من التقطيع والتمزيق.
وأعود وأنظر في المرايا حولي فماذا أرى؟ أرى جموع الرجال، ذات الجموع التي عهدتها، ذات الجموع التي طالما صلت في محراب وجمالي وتبلت وخشعت، أراهم جميعاً أمامي في المرأة، ولكنهم ما إن يروني حتى يولونني ظهورهم! أسمع همس كلماتهم التي أخالهم نطقوا جميعاً بها، أسمعهم يتهامسون، وأسمع أصواتهم تعلو وتعلو حتى تصك أذناي –
- يا عزيزتي مهما تكن الفاكهة حلوة ..
- ومهما يكن من جمالها ..
- ومهما يكن من سحرها ..
- ومها تكن القرابين التي قدمت في محرابها...
- فالفاكهة لا تُأكَل إلا مرة واحدة!
- تكلم عن نفسك أنتَ يا عزيزي؛ أنا لا أطيق أن آكل أكثر من نصف قطعة من أحلى الفواكه وأشهاها!
- كلا أنا يكفيني أن أقضم قضمة صغير صغر حجم فم تلك الفاتنة - التي كانت غادة فاتنة -، وألقي بالفاكهة مهما يكن من حلاوتها ونظارتها.
- أنا يكفيني منظر الفاكهة أتطلع فيها وتأكل منها عيناي حتى التخمة!
وأكلوا وشربوا هم، وظللت أنا وحتى وقتي هذا، وسأظل، أتجرع كؤوس الحميم وآكل طعام الزقوم. ويظل شيطان الرجال يعربد في الطرقات، وتظل الصلوات تقام في محراب الفاتنات اللائى لن يصرن فاتنات بعد قليل...
ويدق الباب ... في أذنيّ!، أفتح باب عقلي، لا أجد شيئاً، خلتني أجد واحداً من عُبَّادِي، ما وجدت؛ وجدتُ نفس نفسي تحدق فيّ من داخل المرايا!!

فرج سيد محمد
القاهرة، مصر
الخميس - 4/3/2004

ورود
04-13-2004, 03:16 AM
شكرا على هذه القصة .... عبر لمن يعتبر