جداويه برستيج
12-26-2007, 07:56 PM
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2004/1/16/1_199738_1_6.jpg
كانت معظم وظائف جسده المرهق معطلة, لكن دماغه وذاكرته أنعشا وأوقدا في قلبه الضوء .
رجل حمل فوق كاهله نحو سبعة وستين عاما، بجسد مشلول تنازعته الامراض المزمنة وزنازين الاحتلال وصواريخ ارئيل شارون وشاؤول موفاز، وأمة تبحث عن دور شرطي، او رقيب امني في احسن العروض الامريكية.
رجل كل شيء فقد دوره، لا شيء يعمل بوعي سوى عقله، كما كتب المحلل الاسرائيلي زئيف شيف ذات صباح. ضعف في احدى عينيه، والاخرى لم تكن ثمة فائدة ترجى منها، التهاب مزمن في الصدر والتنفس، شلل كلي، ويحتاج للقيام باي عمل الى مساعدة مساعديه وذويه، وامراض اخرى في الجهاز العصبي الذي سعى العدو الى تدميره اثناء اعتقال الشيخ، كل ذلك كان كافيا ليضع دولة ترهب النظام الرسمي العربي على حافة السكين والقلق.
ما الذي كان يخيفهم فيه، الجسد الذي انهكه الشلل المبكر، أم العربة المتحركة التي كانت تقله اثناء تنقله في المساحة الضيقة التي حصر فيها العدو الشعب العربي الفلسطيني؟! .
كانت الروح المتوثبة بكامل لياقتها البدنية، وجاهزة للانطلاق في ماراثون منهك لا احد يعرف الى اين ينتهي، تلك الروح التى كانت تحلق في فضاء فلسطين الذي يعج بارواح الشهداء، وبدا ان الاحتلال والشلل لم يدمرا روحه، او يدفعاه الى الرضوخ لواقع اشد قسوة من كارثة اصابته بالشلل وله اربعة عشر ربيعا.
ولد أحمد إسماعيل ياسين عام 1938 في قرية الجورة، قضاء المجدل جنوبي قطاع غزة، وهو العام الذي شهد أول ثورة مسلحة ضد النفوذ الإسرائيلي المتزايد داخل الأراضي الفلسطينية. ومات والده وعمره لم يتجاوز خمس سنوات. عايش أحمد ياسين الهزيمة العربية الكبرى الاولى عام 1948، وكان يبلغ من العمر آنذاك 12 عاما، وخرج منها بدرس أثر في حياته الفكرية والسياسية فيما بعد، وهو ان على الفلسطينيين الاعتماد على أنفسهم في الكفاح لتحرير وطنهم بدلا من الاعتماد على الدول العربية أو المجتمع الدولي.
التحق أحمد ياسين بمدرسة الجورة الابتدائية وواصل الدراسة فيها حتى الصف الخامس، لكن النكبة التي ألمت بفلسطين وشردت أهلها عام 1948 لم تستثنِ هذا الطفل الصغير، فقد أجبرته على الهجرة بصحبة أهله إلى غزة، وهناك تغيرت الأحوال وعانت الأسرة - شأنها شأن معظم المهاجرين آنذاك- مرارة الفقر والجوع والحرمان، فكان يذهب إلى معسكرات الجيش المصري مع بعض أقرانه لأخذ ما يزيد على حاجة الجنود ليطعموا به أهليهم وذويهم. وترك الشيخ ياسين الدراسة لمدة عام (1949-1950) ليعين أسرته المكونة من سبعة أفراد عن طريق العمل في أحد مطاعم الفول في غزة، ثم عاود الدراسة مرة أخرى.
في الرابعة عشرة من عمره تعرض أحمد ياسين لحادثة خطيرة أثرت في حياته كلها منذ ذلك الوقت وحتى الآن، فقد أصيب بكسر في فقرات العنق أثناء لعبه مع بعض أقرانه عام 1952، وبعد 45 يوما من وضع رقبته داخل جبيرة من الجبس اتضح بعدها أنه سيعيش بقية عمره رهين الشلل الذي أصيب به في تلك الفترة. وكان الشيخ ياسين يعاني - إضافة إلى الشلل التام- من أمراض عديدة منها فقدان البصر في العين اليمنى بعدما أصيبت بضربة أثناء جولة من التحقيق على يد المخابرات الإسرائيلية خلال فترة سجنه، وضعف شديد في قدرة إبصار العين اليسرى، والتهاب مزمن بالأذن وحساسية في الرئتين وبعض الأمراض والالتهابات المعوية الأخرى.
أنهى أحمد ياسين دراسته الثانوية في العام الدراسي 57/1958 وعمل مدرساً، وكان معظم دخله من مهنة التدريس يذهب لمساعدة أسرته. والتحق بجامعة القاهرة لدراسة الادب الانجليزي، غير ان ظروفه المادية الصعبة، ونفاد نقوده التي كانت بحوزته اضطرته الى العودة الى غزة وقطع دراسته والاتجاه نحو التدريس لتلبية احتياجات أسرته الفقيرة. وفي تلك الفترة شارك أحمد ياسين وهو في العشرين من العمر في المظاهرات التي اندلعت في غزة احتجاجا على العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر عام 1956 واشتركت فيه بريطانيا وفرنسا وتل ابيب، وأظهر قدرات خطابية وتنظيمية ملموسة، حيث نشط مع رفاقه في الدعوة إلى رفض الإشراف الدولي على غزة.
كانت مواهب أحمد ياسين الخطابية قد بدأت تظهر بقوة، تقدم بها رفاقه دعاة غزة، الأمر الذي لفت إليه أنظار المخابرات المصرية العاملة هناك، فقررت عام 1965 اعتقاله ضمن حملة الاعتقالات التي شهدتها الساحة السياسية المصرية والتي استهدفت كل من سبق اعتقاله من جماعة الإخوان المسلمين عام 1954، وظل ياسين حبيس الزنزانة الانفرادية قرابة شهر، ثم أُفرج عنه بعد أن أثبتت التحقيقات عدم وجود علاقة تنظيمية بينه وبين الإخوان.
وقد تركت فترة الاعتقال في نفس ياسين آثارا مهمة لخصها بقوله: «إنها عمقت في نفسه كراهية الظلم، وأكدت (فترة الاعتقال) أن شرعية أي سلطة تقوم على العدل وإيمانها بحق الإنسان في الحياة بحرية». بعد هزيمة 1967 التي احتلت فيها الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة، استمر الشيخ أحمد ياسين في إلهاب مشاعر المصلين من فوق منبر مسجد العباسي الذي كان يخطب فيه لمقاومة المحتل، وفي الوقت نفسه نشط في جمع التبرعات ومعاونة أسر الشهداء والمعتقلين، ثم عمل بعد ذلك رئيسا للمجمع الإسلامي في غزة. وكان الشيخ أحمد ياسين يعتنق أفكار جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر على يد الإمام حسن البنا عام 1928، والتي تدعو إلى فهم الإسلام فهما صحيحا، والشمول في تطبيقه في شتى مناحي الحياة.
أزعج النشاط الدعوي للشيخ أحمد ياسين السلطات الإسرائيلية فاعتقلته مرة ثانية عام 1982، ووجهت إليه تهمة تشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة، وأصدرت عليه حكما بالسجن مدته 13 عاما، لكنها عادت وأطلقت سراحه عام 1985 في إطار عملية لتبادل الأسرى بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين «القيادة العامة».
اتفق الشيخ أحمد ياسين عام 1987 مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي في قطاع غزة على تكوين تنظيم إسلامي لمحاربة الاحتلال الإسرائيلي بغية تحرير فلسطين أطلقوا عليه اسم «حركة المقاومة الإسلامية» المعروفة اختصارا باسم «حماس». ورغم ان الموثقين يعتمدون هذا التاريخ لانطلاقة حماس الا ان الحركة ظهرت قبل ذلك التاريخ باربعة اعوام حين اعتقل ياسين مع مجموعة فدائية كان هو احد قادتها. وكان للشيخ ياسين دور مهم في الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت آنذاك والتي اشتهرت بانتفاضة المساجد، وعرفت ايضا بالانتفاضة الاولى.
مع تصاعد أعمال الانتفاضة بدأت السلطات الإسرائيلية التفكير في وسيلة لإيقاف نشاط الشيخ أحمد ياسين، فقامت في آب 1988بمداهمة منزله وتهديده بالنفي الى لبنان، وعندما ازدادت عمليات قتل الجنود الإسرائيليين واغتيال العملاء الفلسطينيين قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في عام 1989 باعتقاله مع مئات من اعضاء حماس. وفي عام 1991 أصدرت إحدى المحاكم العسكرية حكما بسجنه مدى الحياة، وجاء في لائحة الاتهام أن هذه التهم بسبب التحريض على اختطاف وقتل جنود إسرائيليين وتأسيس حركة حماس وجهازيها العسكري والأمني.
حاولت مجموعة فدائية تابعة لكتائب عز الدين القسام - الجناح العسكري لحماس- الإفراج عن الشيخ ياسين وبعض المعتقلين المسنين الآخرين، فقامت بخطف جندي إسرائيلي قرب القدس في كانون الاول1992، وعرضت مبادلته نظير الإفراج عن هؤلاء المعتقلين، لكن السلطات الإسرائيلية رفضت العرض وقامت بشن هجوم على مكان احتجاز الجندي؛ وهو ما أدى إلى مصرعه ومصرع قائد الوحدة الإسرائيلية المهاجمة ومقتل قائد مجموعة الفدائيين. وفي عملية تبادل أخرى في أول تشرين الاول عام 1997 جرت بين الأردن وتل ابيب في أعقاب المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في العاصمة عمان وإلقاء الاجهزة الأمنية الأردنية القبض على اثنين من عملاء الموساد سلمتهما لتل ابيب مقابل إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين،وتسليم العلاج الكفيل بانقاذ حياة مشعل، واستضافت عمان ياسين في فترة نقاهة عاد بعدها الى قطاع غزة.
وفي أعقاب إحدى عمليات التفجير القوية التي نفذتها حركة حماس في قطاع غزة في شهر تشرين الاول1998، فرضت السلطة الفلسطينية الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين، وهو القرار الذي عارضه الكثير من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني أنفسهم إلى جانب الشارع الفلسطيني العام. وفي شهر ايار 1998 قام الشيخ أحمد ياسين بحملة علاقات عامة واسعة لحماس في الخارج؛ حيث قام بجولة واسعة في العديد من الدول العربية والإسلامية. وقد أثارت هذه الجولة تل ابيب آنذاك حيث قامت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية باتخاذ سلسلة قرارات تجاه ما وصفته «بحملة التحريض ضد إسرائيل في الخارج»، التي قام بها الشيخ أحمد ياسين.
وسارعت إلى رفع شكوى إلى الولايات المتحدة للضغط على الدول العربية بالامتناع عن تقديم المساعدة للحركة، وطالبت شخصيات إسرائيلية آنذاك بمنع الشيخ ياسين من العودة إلى قطاع غزة، ولكنه عاد بعد ذلك بترتيب مع السلطة الفلسطينية. وقد أكد الشيخ ياسين مرارا طوال هذه السنوات بأن الدولة الفلسطينية في فلسطين قائمة لا محالة، وأن تحرير فلسطين قادم، وذلك عبر برنامج الجهاد الذي تتبناه الحركة بشكل إستراتيجي.
وسعى الشيخ احمد ياسين الى المحافظة على علاقات طيبة مع السلطة الفلسطينية والدول العربية الاخرى، ايمانا منه بأن الفرقة تضر بمصالح الفلسطينيين. ولكنه لم يساوم ابدا فيما يخص موضوع التوصل الى «سلام مع اسرائيل»، حيث كان يكرر دائما «ان ما يسمى بالسلام ليس سلاما بالمرة، ولا يمكن ان يكون بديلا للجهاد والمقاومة».
وتعرض الشيخ أحمد ياسين في ايلول لمحاولة اغتيال إسرائيلية حين استهدفت مروحيات إسرائيلية شقة في غزة كان يوجد بها الشيخ وكان يرافقه إسماعيل هنية وعدد من رموز الحركة. ولم تكن إصاباته بجروح طفيفة في ذراعه الأيمن بالقاتلة. وأقدمت القوات الاسرائيلية في اذار العام الماضي على اغتيال الشيخ ياسين حيث قصفت طائرات إسرائيلية الشيخ وهو عائد من صلاة الفجر من المسجد القريب من منزله، وبعد ساعات قليلة من اعلان شاؤول موفاز ان حماس هي عدو استراتيجي للشعب اليهودي.
وبعيدا عن نتائج هذا الاغتيال , والذي قيل فيه الكثير , او حجم الانتقام الفلسطيني , الذي قيل انه لم يكن بحجم الجريمة ،فقد كان الشيخ ياسين سياسيا امتلك رؤية وطنية وقومية واسلامية للصراع مع العدو، كان يرفض من خلال هذه الرؤية الاندفاع نحو معارك هامشية تعوق الهدف الاول للشعب العربي الفلسطيني وهو تحرير فلسطين.. كل فلسطين، من اؤلئك الذين اطلقوا رصاصهم على ظهور الفلسطينين وطعنوا الانبياء في ظهورهم.
كان ذلك في اليوم التالي لاغتيال الشيخ احمد ياسين، وكان شارون، مثل الكثيرين من الاسرائيليين، سعيدا بهذا الانجاز الذي استحق الجيش عليه التهنئة، واذ كان هذا هو الوضع هناك عند الاخر نقيض الامة العربية، فقد كان الامر مختلفا عند الفلسطينيين، الذين خرجوا من كارثتهم الانسانية بدرس وتحد مختلف.
شأن طائر الفنيق او الهيدرا، حيث الصراع الذي كان الامبراطور البيزنطي هرقل يخوضه ضد الهيدرا، وهي أفعى خرافية مخيفة تنبت لها عدة رؤوس مكان أي رأس يتم قطعه، الأفعوان ذو الرؤوس السبعة، (الهايدر) أو (الهيدرا) بغض النظر عن طريقة كتابتها في اللغات الأوروبية المختلفة، فإن معناها طبقا لقاموس اللغة الاسبانية المعروف باسم (لاروس) يشير إلى أن هذه الكلمة تعني: (حية سامة قاتلة ومرعبة تقطن في مناطق المياه الراكدة)، ويضيف القاموس إلى هذا التعريف توضيحا آخر ينتمي إلى الميثولوجيا اليونانية القديمة حيث يقول في تفسير أسطوري أن (الهايدر) أو (الهيدرا) عبارة عن حية مائية خرافية بسبعة رؤوس، كانت تقطن بالقرب من إحدى الجزر الإغريقية، تقذف من فمها نيرانا قاتلة، وأن هرقل ذهب لمقاتلتها والقضاء عليها، لكنه كما تقول الأسطورة، كلما قطع رأسا من رؤوسها السبعة نبت مكانه رأسان، وهذا استدعى أن يطلب مساعدة ابن شقيقه (يولاو )، الذي كان يحرق الرؤوس التي يقطعها عمه البطل الأسطوري هرقل حتى لا تنبت من جديد.
او هي طائر النورس البحري الممعن في النقاء، يمكنك تخيله يجوب البحار لامساً بجناحيه وجه الماء، غاسلاً عنه هموم طائر مرتحل وحيد تماماً إلا من حزنه، او طائر الفينيق، طائر متجدد يخرج من رماده معيداً إثر كل تجربة موت صياغة ذاته، فما أجمل طائر الفنيق حينما ينهض من الرماد ليحلق في آفاق لم يعهدها من قبل.. وحكاية حماس وترجل فرسانها الواحد تلو الاخر في ساحة الوغى، وكتائب شهداء الاقصى وسرايا القدس زابو على مصطفى هي حكاية الاسطورة الرومانية,طائر الفنيق , الطائر الجميل الذي ينهض من الموت ليواصل الحياة محققاً لنفسه وجوداً مختلفاً, وللاخر موتا انسانيا بطيئا.
كانت معظم وظائف جسده المرهق معطلة, لكن دماغه وذاكرته أنعشا وأوقدا في قلبه الضوء .
رجل حمل فوق كاهله نحو سبعة وستين عاما، بجسد مشلول تنازعته الامراض المزمنة وزنازين الاحتلال وصواريخ ارئيل شارون وشاؤول موفاز، وأمة تبحث عن دور شرطي، او رقيب امني في احسن العروض الامريكية.
رجل كل شيء فقد دوره، لا شيء يعمل بوعي سوى عقله، كما كتب المحلل الاسرائيلي زئيف شيف ذات صباح. ضعف في احدى عينيه، والاخرى لم تكن ثمة فائدة ترجى منها، التهاب مزمن في الصدر والتنفس، شلل كلي، ويحتاج للقيام باي عمل الى مساعدة مساعديه وذويه، وامراض اخرى في الجهاز العصبي الذي سعى العدو الى تدميره اثناء اعتقال الشيخ، كل ذلك كان كافيا ليضع دولة ترهب النظام الرسمي العربي على حافة السكين والقلق.
ما الذي كان يخيفهم فيه، الجسد الذي انهكه الشلل المبكر، أم العربة المتحركة التي كانت تقله اثناء تنقله في المساحة الضيقة التي حصر فيها العدو الشعب العربي الفلسطيني؟! .
كانت الروح المتوثبة بكامل لياقتها البدنية، وجاهزة للانطلاق في ماراثون منهك لا احد يعرف الى اين ينتهي، تلك الروح التى كانت تحلق في فضاء فلسطين الذي يعج بارواح الشهداء، وبدا ان الاحتلال والشلل لم يدمرا روحه، او يدفعاه الى الرضوخ لواقع اشد قسوة من كارثة اصابته بالشلل وله اربعة عشر ربيعا.
ولد أحمد إسماعيل ياسين عام 1938 في قرية الجورة، قضاء المجدل جنوبي قطاع غزة، وهو العام الذي شهد أول ثورة مسلحة ضد النفوذ الإسرائيلي المتزايد داخل الأراضي الفلسطينية. ومات والده وعمره لم يتجاوز خمس سنوات. عايش أحمد ياسين الهزيمة العربية الكبرى الاولى عام 1948، وكان يبلغ من العمر آنذاك 12 عاما، وخرج منها بدرس أثر في حياته الفكرية والسياسية فيما بعد، وهو ان على الفلسطينيين الاعتماد على أنفسهم في الكفاح لتحرير وطنهم بدلا من الاعتماد على الدول العربية أو المجتمع الدولي.
التحق أحمد ياسين بمدرسة الجورة الابتدائية وواصل الدراسة فيها حتى الصف الخامس، لكن النكبة التي ألمت بفلسطين وشردت أهلها عام 1948 لم تستثنِ هذا الطفل الصغير، فقد أجبرته على الهجرة بصحبة أهله إلى غزة، وهناك تغيرت الأحوال وعانت الأسرة - شأنها شأن معظم المهاجرين آنذاك- مرارة الفقر والجوع والحرمان، فكان يذهب إلى معسكرات الجيش المصري مع بعض أقرانه لأخذ ما يزيد على حاجة الجنود ليطعموا به أهليهم وذويهم. وترك الشيخ ياسين الدراسة لمدة عام (1949-1950) ليعين أسرته المكونة من سبعة أفراد عن طريق العمل في أحد مطاعم الفول في غزة، ثم عاود الدراسة مرة أخرى.
في الرابعة عشرة من عمره تعرض أحمد ياسين لحادثة خطيرة أثرت في حياته كلها منذ ذلك الوقت وحتى الآن، فقد أصيب بكسر في فقرات العنق أثناء لعبه مع بعض أقرانه عام 1952، وبعد 45 يوما من وضع رقبته داخل جبيرة من الجبس اتضح بعدها أنه سيعيش بقية عمره رهين الشلل الذي أصيب به في تلك الفترة. وكان الشيخ ياسين يعاني - إضافة إلى الشلل التام- من أمراض عديدة منها فقدان البصر في العين اليمنى بعدما أصيبت بضربة أثناء جولة من التحقيق على يد المخابرات الإسرائيلية خلال فترة سجنه، وضعف شديد في قدرة إبصار العين اليسرى، والتهاب مزمن بالأذن وحساسية في الرئتين وبعض الأمراض والالتهابات المعوية الأخرى.
أنهى أحمد ياسين دراسته الثانوية في العام الدراسي 57/1958 وعمل مدرساً، وكان معظم دخله من مهنة التدريس يذهب لمساعدة أسرته. والتحق بجامعة القاهرة لدراسة الادب الانجليزي، غير ان ظروفه المادية الصعبة، ونفاد نقوده التي كانت بحوزته اضطرته الى العودة الى غزة وقطع دراسته والاتجاه نحو التدريس لتلبية احتياجات أسرته الفقيرة. وفي تلك الفترة شارك أحمد ياسين وهو في العشرين من العمر في المظاهرات التي اندلعت في غزة احتجاجا على العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر عام 1956 واشتركت فيه بريطانيا وفرنسا وتل ابيب، وأظهر قدرات خطابية وتنظيمية ملموسة، حيث نشط مع رفاقه في الدعوة إلى رفض الإشراف الدولي على غزة.
كانت مواهب أحمد ياسين الخطابية قد بدأت تظهر بقوة، تقدم بها رفاقه دعاة غزة، الأمر الذي لفت إليه أنظار المخابرات المصرية العاملة هناك، فقررت عام 1965 اعتقاله ضمن حملة الاعتقالات التي شهدتها الساحة السياسية المصرية والتي استهدفت كل من سبق اعتقاله من جماعة الإخوان المسلمين عام 1954، وظل ياسين حبيس الزنزانة الانفرادية قرابة شهر، ثم أُفرج عنه بعد أن أثبتت التحقيقات عدم وجود علاقة تنظيمية بينه وبين الإخوان.
وقد تركت فترة الاعتقال في نفس ياسين آثارا مهمة لخصها بقوله: «إنها عمقت في نفسه كراهية الظلم، وأكدت (فترة الاعتقال) أن شرعية أي سلطة تقوم على العدل وإيمانها بحق الإنسان في الحياة بحرية». بعد هزيمة 1967 التي احتلت فيها الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة، استمر الشيخ أحمد ياسين في إلهاب مشاعر المصلين من فوق منبر مسجد العباسي الذي كان يخطب فيه لمقاومة المحتل، وفي الوقت نفسه نشط في جمع التبرعات ومعاونة أسر الشهداء والمعتقلين، ثم عمل بعد ذلك رئيسا للمجمع الإسلامي في غزة. وكان الشيخ أحمد ياسين يعتنق أفكار جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر على يد الإمام حسن البنا عام 1928، والتي تدعو إلى فهم الإسلام فهما صحيحا، والشمول في تطبيقه في شتى مناحي الحياة.
أزعج النشاط الدعوي للشيخ أحمد ياسين السلطات الإسرائيلية فاعتقلته مرة ثانية عام 1982، ووجهت إليه تهمة تشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة، وأصدرت عليه حكما بالسجن مدته 13 عاما، لكنها عادت وأطلقت سراحه عام 1985 في إطار عملية لتبادل الأسرى بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين «القيادة العامة».
اتفق الشيخ أحمد ياسين عام 1987 مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي في قطاع غزة على تكوين تنظيم إسلامي لمحاربة الاحتلال الإسرائيلي بغية تحرير فلسطين أطلقوا عليه اسم «حركة المقاومة الإسلامية» المعروفة اختصارا باسم «حماس». ورغم ان الموثقين يعتمدون هذا التاريخ لانطلاقة حماس الا ان الحركة ظهرت قبل ذلك التاريخ باربعة اعوام حين اعتقل ياسين مع مجموعة فدائية كان هو احد قادتها. وكان للشيخ ياسين دور مهم في الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت آنذاك والتي اشتهرت بانتفاضة المساجد، وعرفت ايضا بالانتفاضة الاولى.
مع تصاعد أعمال الانتفاضة بدأت السلطات الإسرائيلية التفكير في وسيلة لإيقاف نشاط الشيخ أحمد ياسين، فقامت في آب 1988بمداهمة منزله وتهديده بالنفي الى لبنان، وعندما ازدادت عمليات قتل الجنود الإسرائيليين واغتيال العملاء الفلسطينيين قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في عام 1989 باعتقاله مع مئات من اعضاء حماس. وفي عام 1991 أصدرت إحدى المحاكم العسكرية حكما بسجنه مدى الحياة، وجاء في لائحة الاتهام أن هذه التهم بسبب التحريض على اختطاف وقتل جنود إسرائيليين وتأسيس حركة حماس وجهازيها العسكري والأمني.
حاولت مجموعة فدائية تابعة لكتائب عز الدين القسام - الجناح العسكري لحماس- الإفراج عن الشيخ ياسين وبعض المعتقلين المسنين الآخرين، فقامت بخطف جندي إسرائيلي قرب القدس في كانون الاول1992، وعرضت مبادلته نظير الإفراج عن هؤلاء المعتقلين، لكن السلطات الإسرائيلية رفضت العرض وقامت بشن هجوم على مكان احتجاز الجندي؛ وهو ما أدى إلى مصرعه ومصرع قائد الوحدة الإسرائيلية المهاجمة ومقتل قائد مجموعة الفدائيين. وفي عملية تبادل أخرى في أول تشرين الاول عام 1997 جرت بين الأردن وتل ابيب في أعقاب المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في العاصمة عمان وإلقاء الاجهزة الأمنية الأردنية القبض على اثنين من عملاء الموساد سلمتهما لتل ابيب مقابل إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين،وتسليم العلاج الكفيل بانقاذ حياة مشعل، واستضافت عمان ياسين في فترة نقاهة عاد بعدها الى قطاع غزة.
وفي أعقاب إحدى عمليات التفجير القوية التي نفذتها حركة حماس في قطاع غزة في شهر تشرين الاول1998، فرضت السلطة الفلسطينية الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين، وهو القرار الذي عارضه الكثير من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني أنفسهم إلى جانب الشارع الفلسطيني العام. وفي شهر ايار 1998 قام الشيخ أحمد ياسين بحملة علاقات عامة واسعة لحماس في الخارج؛ حيث قام بجولة واسعة في العديد من الدول العربية والإسلامية. وقد أثارت هذه الجولة تل ابيب آنذاك حيث قامت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية باتخاذ سلسلة قرارات تجاه ما وصفته «بحملة التحريض ضد إسرائيل في الخارج»، التي قام بها الشيخ أحمد ياسين.
وسارعت إلى رفع شكوى إلى الولايات المتحدة للضغط على الدول العربية بالامتناع عن تقديم المساعدة للحركة، وطالبت شخصيات إسرائيلية آنذاك بمنع الشيخ ياسين من العودة إلى قطاع غزة، ولكنه عاد بعد ذلك بترتيب مع السلطة الفلسطينية. وقد أكد الشيخ ياسين مرارا طوال هذه السنوات بأن الدولة الفلسطينية في فلسطين قائمة لا محالة، وأن تحرير فلسطين قادم، وذلك عبر برنامج الجهاد الذي تتبناه الحركة بشكل إستراتيجي.
وسعى الشيخ احمد ياسين الى المحافظة على علاقات طيبة مع السلطة الفلسطينية والدول العربية الاخرى، ايمانا منه بأن الفرقة تضر بمصالح الفلسطينيين. ولكنه لم يساوم ابدا فيما يخص موضوع التوصل الى «سلام مع اسرائيل»، حيث كان يكرر دائما «ان ما يسمى بالسلام ليس سلاما بالمرة، ولا يمكن ان يكون بديلا للجهاد والمقاومة».
وتعرض الشيخ أحمد ياسين في ايلول لمحاولة اغتيال إسرائيلية حين استهدفت مروحيات إسرائيلية شقة في غزة كان يوجد بها الشيخ وكان يرافقه إسماعيل هنية وعدد من رموز الحركة. ولم تكن إصاباته بجروح طفيفة في ذراعه الأيمن بالقاتلة. وأقدمت القوات الاسرائيلية في اذار العام الماضي على اغتيال الشيخ ياسين حيث قصفت طائرات إسرائيلية الشيخ وهو عائد من صلاة الفجر من المسجد القريب من منزله، وبعد ساعات قليلة من اعلان شاؤول موفاز ان حماس هي عدو استراتيجي للشعب اليهودي.
وبعيدا عن نتائج هذا الاغتيال , والذي قيل فيه الكثير , او حجم الانتقام الفلسطيني , الذي قيل انه لم يكن بحجم الجريمة ،فقد كان الشيخ ياسين سياسيا امتلك رؤية وطنية وقومية واسلامية للصراع مع العدو، كان يرفض من خلال هذه الرؤية الاندفاع نحو معارك هامشية تعوق الهدف الاول للشعب العربي الفلسطيني وهو تحرير فلسطين.. كل فلسطين، من اؤلئك الذين اطلقوا رصاصهم على ظهور الفلسطينين وطعنوا الانبياء في ظهورهم.
كان ذلك في اليوم التالي لاغتيال الشيخ احمد ياسين، وكان شارون، مثل الكثيرين من الاسرائيليين، سعيدا بهذا الانجاز الذي استحق الجيش عليه التهنئة، واذ كان هذا هو الوضع هناك عند الاخر نقيض الامة العربية، فقد كان الامر مختلفا عند الفلسطينيين، الذين خرجوا من كارثتهم الانسانية بدرس وتحد مختلف.
شأن طائر الفنيق او الهيدرا، حيث الصراع الذي كان الامبراطور البيزنطي هرقل يخوضه ضد الهيدرا، وهي أفعى خرافية مخيفة تنبت لها عدة رؤوس مكان أي رأس يتم قطعه، الأفعوان ذو الرؤوس السبعة، (الهايدر) أو (الهيدرا) بغض النظر عن طريقة كتابتها في اللغات الأوروبية المختلفة، فإن معناها طبقا لقاموس اللغة الاسبانية المعروف باسم (لاروس) يشير إلى أن هذه الكلمة تعني: (حية سامة قاتلة ومرعبة تقطن في مناطق المياه الراكدة)، ويضيف القاموس إلى هذا التعريف توضيحا آخر ينتمي إلى الميثولوجيا اليونانية القديمة حيث يقول في تفسير أسطوري أن (الهايدر) أو (الهيدرا) عبارة عن حية مائية خرافية بسبعة رؤوس، كانت تقطن بالقرب من إحدى الجزر الإغريقية، تقذف من فمها نيرانا قاتلة، وأن هرقل ذهب لمقاتلتها والقضاء عليها، لكنه كما تقول الأسطورة، كلما قطع رأسا من رؤوسها السبعة نبت مكانه رأسان، وهذا استدعى أن يطلب مساعدة ابن شقيقه (يولاو )، الذي كان يحرق الرؤوس التي يقطعها عمه البطل الأسطوري هرقل حتى لا تنبت من جديد.
او هي طائر النورس البحري الممعن في النقاء، يمكنك تخيله يجوب البحار لامساً بجناحيه وجه الماء، غاسلاً عنه هموم طائر مرتحل وحيد تماماً إلا من حزنه، او طائر الفينيق، طائر متجدد يخرج من رماده معيداً إثر كل تجربة موت صياغة ذاته، فما أجمل طائر الفنيق حينما ينهض من الرماد ليحلق في آفاق لم يعهدها من قبل.. وحكاية حماس وترجل فرسانها الواحد تلو الاخر في ساحة الوغى، وكتائب شهداء الاقصى وسرايا القدس زابو على مصطفى هي حكاية الاسطورة الرومانية,طائر الفنيق , الطائر الجميل الذي ينهض من الموت ليواصل الحياة محققاً لنفسه وجوداً مختلفاً, وللاخر موتا انسانيا بطيئا.